عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
469
اللباب في علوم الكتاب
ومن المعلوم بالعادة أنّ المؤمن يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يمكن من الاغتسال ، وقد يستدل بهذا على حصول اليسر وزوال العسر . قوله : « وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ » نسق على « ليطهّركم » وقرأ عيسى « 1 » بن عمر : « ويذهب » بسكون الباء وهو تخفيف سمّاه أبو حيّان : جزما . والعامة على « رجز » بكسر الرّاء وبالزاي . وقرأ ابن محيصن « 2 » : بضمّ الراء ، وابن أبي عبلة بالسّين « 3 » ، وقد تقدّم الكلام على كلّ واحد منها . ومعنى : رجز الشيطان ههنا : ما ينشأ عن وسوسته ، وقيل : الاحتلام ، وقيل : إن الكفار لمّا نزلوا على الماء وسوس الشّيطان للمسلمين وخوّفهم من الهلاك ، فلمّا نزل زالت تلك الوسوسة . فإن قيل : فأيّ هذه الوجوه أولى ؟ . فالجواب : أنّ قوله « ليطهّركم » معناه ليزيل الجنابة عنكم ، فلو حملنا قوله : « وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ » على الجنابة لزم التّكرار ، وهو خلاف الأصل . ويمكن أن يجاب بأنّ المراد من قوله « ليطهّركم » حصول الطّهارة الشّرعية ، والمراد : « وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ » إزالة عين المنيّ عن أعضائهم فإنّه شيء مستخبث . ثم نقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة ؛ لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقيّ ، وتأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب تأثير مجازي ، وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . قوله : وليربط على قلوبكم » أي بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف عنهم ، ومعنى الرّبط في اللغة : الشّد ، وقد تقدّم في قوله : وَرابِطُوا [ آل عمران : 20 ] . قال الواحديّ : « ويشبه أن تكون « على » ههنا صلة ، والمعنى : وليربط قلوبكم بالصّبر وما أوقع فيها من اليقين » . وقال ابن الخطيب « 4 » : ويشبه ألّا يكون صلة ؛ لأنّ كلمة « على » تفيد الاستعلاء ، فالمعنى أنّ القلوب امتلأت من ذلك الربط حتّى كأنّه علا عليها وارتفع فوقها . قوله : « وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ » قيل : إنّ ذلك المطر لبّد ذلك الرّمل ، وصيّره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيفما أرادوا ، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه ، وعلى هذا فالضّمير في « به » عائد على المطر .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 463 ، الدر المصون 3 / 403 ، المحرر الوجيز 2 / 506 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 463 ، الدر المصون 3 / 403 ، المحرر الوجيز 2 / 506 . ( 3 ) المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 108 .